EN
سيتم بمشئية الله تعالى إضافة تفريغ جميع الخطب المنشورة في الموقع، ويتم التحديث تدريجيا
تذكير الأبرار بآثار الاستغفار

ألقيت في 4 شعبان 1449

الْحَمْدُ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.

 {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}، {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا}.

 أَمَّا بَعْدُ:

 فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كَلَامُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ فِي دِينِ اللَّهِ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ؛ أَعَاذَنِي اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ وَجَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ مِنَ النَّارِ.

أَيُّهَا النَّاسُ

يَقُولُ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ}. وَقَالَ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا * وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا}. وَقَالَ اللَّهُ: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}.

هَذِهِ الْآيَاتُ -وَغَيْرُهَا كَثِيرٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ- فِيهَا الْأَمْرُ بِالِاسْتِغْفَارِ، وَمِنَ الْقَوَاعِدِ الْمُقَرَّرَةِ الَّتِي اتَّفَقَ عَلَيْهَا أَهْلُ الْعِلْمِ: أَنَّ اللَّهَ -عَزَّ وَجَلَّ- مَا أَمَرَ بِأَمْرٍ إِلَّا لِعَظِيمِ مَصْلَحَتِهِ، وَمَا فِيهِ مِنَ الْآثَارِ وَالثِّمَارِ وَالْمَصَالِحِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي تَعُودُ عَلَى الْفَرْدِ وَالْجَمَاعَةِ وَعَلَى الْأُمَّةِ الْمُسْلِمَةِ.

أَلَا وَإِنَّ نَبِيَّنَا -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَانَ يَضْرِبُ لَنَا الْمَثَلَ الْأَعْظَمَ فِي امْتِثَالِ أَمْرِ اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ- بِالِاسْتِغْفَارِ؛ وَذَلِكَ مَعْلُومٌ مِنْ حَالِهِ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-. فَقَدْ رَوَى أَهْلُ السُّنَنِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَانُوا يَعُدُّونَ لَهُ فِي الْمَجْلِسِ الْوَاحِدِ: «رَبِّ اغْفِرْ لِي وَتُبْ عَلَيَّ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ» أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ مَرَّةٍ، يَعُدُّونَ لَهُ فِي الْمَجْلِسِ الْوَاحِدِ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ -عَزَّ وَجَلَّ-.

وَمَعْلُومٌ لَدَيْكُمْ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَالْأَغَرِّ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ النَّبِيَّ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- قَالَ: «إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً»، وَفِي لَفْظٍ: «مِائَةَ مَرَّةٍ»، وَفِي لَفْظٍ يَأْمُرُ: «أَيُّهَا النَّاسُ اسْتَغْفِرُوا اللَّهَ فَإِنِّي أَفْعَلُ كَذَا وَكَذَا».

وَمِنْ آثَارِ الِاسْتِغْفَارِ وَمَصَالِحِهِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي أُمِرَ بِهِ لِتَحْقيقِهَا وَبُلُوغِهَا: صَلَاحُ الْقَلْبِ وَصَقْلُ الْقَلْبِ مِمَّا يَعْتَرِيهِ مِنْ آثَارِ الذُّنُوبِ مِنَ الْقَسْوَةِ وَالظُّلْمَةِ. وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- وَهُوَ فِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَخَرَّجَهُ شَيْخُنَا فِي الْجَامِعِ الصَّحِيحِ، أَنَّ النَّبِيَّ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- قَالَ: «إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا أَذْنَبَ ذَنْبًا نُكِتَ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، فَإِذَا هُوَ تَابَ وَنَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ صُقِلَ قَلْبُهُ، وَإِنْ زَادَ زَادَتْ -أَيِ النُّكَتُ- حَتَّى يَعْلُوَ قَلْبَهُ، وَذَاكَ الرَّانُ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- فِي الْقُرْآنِ: {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}». فَالذُّنُوبُ تُغَطِّي الْقَلْبَ، الرَّانُ التَّغْطِيَةُ، تَعْلُو الْقَلْبَ تَغْطِيَةٌ فَيَقْسُو وَيُطْبَعُ عَلَيْهِ -وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ-، فَلَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ. وَالِاسْتِغْفَارُ يَصْقُلُ الْقَلْبَ وَيُورِثُ الْعَبْدَ الْخَشْيَةَ وَالْخَوْفَ مِنَ اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ-.

وَمِنْ أَعْظَمِ آثَارِهِ وَمَصَالِحِهِ أَنَّ بِهِ السِّتْرَ مِنَ اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ- وَالْعَفْوَ عَنِ الْمَعْصِيَةِ وَعَدَمَ الْمُؤَاخَذَةِ بِالذَّنْبِ. قَالَ اللَّهُ: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}. وَقَالَ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: {وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا} ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ. وَقَالَ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرُ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا} سُبْحَانَهُ وَبِحَمْدِهِ. وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ- أَنَّ النَّبِيَّ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- قَالَ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: «يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ، فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ».

وَمِنْ آثَارِ الِاسْتِغْفَارِ الطَّيِّبَةِ الْكَرِيمَةِ وَمَصَالِحِهِ الْعَظِيمَةِ: أَنَّ بِهِ رِفْعَةَ الدَّرَجَاتِ عِنْدَ رَبِّ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتِ. فَفِي السُّنَنِ وَالْمُسْنَدِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- وَهُوَ فِي الصَّحِيحَةِ، أَنَّ النَّبِيَّ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- قَالَ: «إِنَّ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ لَتُرْفَعُ لَهُ الدَّرَجَةُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لَتُرْفَعُ لَهُ الدَّرَجَةُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي الْجَنَّةِ، وَهُوَ يَعْرِفُ نَفْسَهُ وَعَمَلَهُ، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ، لِي هَذِهِ الدَّرَجَةُ؟ فَيُقَالُ لَهُ: بِاسْتِغْفَارِ وَلَدِكَ لَكَ، بِاسْتِغْفَارِ وَلَدِكَ لَكَ». وَإِذَا كَانَ هَذَا أَثَرَ الِاسْتِغْفَارِ لِلْغَيْرِ؛ فَمِنْ بَابٍ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ فِي اسْتِغْفَارِ الْعَبْدِ لِنَفْسِهِ. وَبِهَذَا يَظْهَرُ قَوْلُهُ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-: «أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ»، يَسْتَغْفِرُ لِوَالِدَيْهِ كَثِيرًا وَيَدْعُو لَهُمَا كَثِيرًا فَيُغْفَرُ لَهُمَا بِإِذْنِ اللَّهِ وَتُرْفَعُ دَرَجَتُهُمَا بِإِذْنِ اللَّهِ. وَهَكَذَا أَنْتَ أَيُّهَا الْمُسْلِمُ؛ أَكْثِرْ مِنَ الِاسْتِغْفَارِ، فَفِي السُّنَنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- وَهُوَ فِي الْجَامِعِ الصَّحِيحِ، أَنَّ النَّبِيَّ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- قَالَ: «طُوبَى لِمَنْ وَجَدَ فِي صَحِيفَتِهِ اسْتِغْفَارًا كَثِيرًا».

وَمِنْ آثَارِ الِاسْتِغْفَارِ الْعَظِيمَةِ الْكَرِيمَةِ وَمَصَالِحِهِ الْجَلِيلَةِ: النَّجَاةُ مِنَ النَّارِ. وَيُرْشِدُ إِلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-: «يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ أَكْثِرْنَ مِنَ الِاسْتِغْفَارِ فَإِنِّي رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ، «أَكْثِرْنَ الِاسْتِغْفَارَ فَإِنِّي رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ». فَالِاسْتِغْفَارُ نَجَاةٌ لِصَاحِبِهِ بِإِذْنِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَبِحَمْدِهِ. وَمِنْ أَعْظَمِ آثَارِهِ أَنَّهُ يَدْفَعُ الْعَذَابَ فِي الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ، فِي الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}.

 

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَلِيُّ الصَّالِحِينَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ إِمَامُ الْمُتَّقِينَ وَسَيِّدُ الْغُرِّ الْمُحَجَّلِينَ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا مَزِيدًا إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

أَيُّهَا النَّاسُ

إِنَّ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَهَمِّيَّةِ الِاسْتِغْفَارِ فِي حَيَاةِ الْمُسْلِمِ وَيَوْمِهِ وَلَيْلَتِهِ وَجَمِيعِ لَحَظَاتِهِ؛ أَنَّ أَعْظَمَ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ الْعَمَلِيَّةِ الصَّلَاةُ، وَأَعْظَمَ عَمَلٍ فِيهَا الِاسْتِغْفَارُ.

فَبَعْدَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ الْمُصَلِّي يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، وَأَصَحُّ دُعَاءٍ وَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي الِاسْتِفْتَاحِ مَا أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَسْكُتُ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ إِسْكَاتَةً، فَقُلْتُ: بِأَبِي وَأُمِّي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا تَقُولُ؟ قَالَ: أَقُولُ: «اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنْ خَطَايَايَ كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ».

وَفِي الْفَاتِحَةِ دُعَاءٌ عَظِيمٌ يَسْتَلْزِمُ وَيَتَضَمَّنُ الِاسْتِغْفَارَ وَيَدْخُلُ فِيهِ دُخُولًا أَوَّلِيًّا: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ}. وَيُشْرَعُ لِلْمُنْفَرِدِ وَالْإِمَامِ وَالْمُؤْتَمِّ وَالْمَأْمُومِينَ، يُشْرَعُ لَهُمُ التَّأْمِينُ بَعْدَ هَذَا الدُّعَاءِ الْعَظِيمِ "آمين"، وَهُوَ يَتَضَمَّنُ كَمَا سَمِعْتَ الِاسْتِغْفَارَ. وَالرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ فِيهِ الِاسْتِغْفَارُ؛ فَفِي الصَّحِيحِ عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي»، «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي». وَفِي الْجَلْسَةِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ الِاسْتِغْفَارُ؛ فَفِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ أَنَّ النَّبِيَّ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- كَانَ يَقُولُ: «رَبِّ اغْفِرْ لِي، رَبِّ اغْفِرْ لِي، رَبِّ اغْفِرْ لِي»، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- كَانَ يَقُولُ: «رَبِّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَاهْدِنِي وَعَافِنِي وَارْزُقْنِي»، فَبَدَأَ بِالِاسْتِغْفَارِ. هَذَا دُعَاءُ بَيْنِ السَّجْدَتَيْنِ، وَهَذَا ذِكْرُ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالِاسْتِفْتَاحِ.

وَقَبْلَ التَّسْلِيمِ يُشْرَعُ الِاسْتِغْفَارُ كَمَا شُرِعَ بَعْدَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ؛ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ- أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتِي، قَالَ: «قُلِ اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ وَارْحَمْنِي إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ». وَفِي مُسْلِمٍ عَنْ عَلِيٍّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ النَّبِيَّ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- أَرْشَدَ إِلَى الِاسْتِغْفَارِ أَيْضًا قَبْلَ السَّلَامِ، وَقَدْ بَوَّبَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- عَلَى حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ: بَابُ الدُّعَاءِ قَبْلَ السَّلَامِ، أَيْ أَنَّهُ يُشْرَعُ هَذَا الدُّعَاءُ قَبْلَ السَّلَامِ.

وَبَعْدَ السَّلَامِ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْإِمَامِ مُسْلِمٍ عَنْ ثَوْبَانَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ النَّبِيَّ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- كَانَ إِذَا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ قَالَ: «أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْكَ السَّلَامُ تَبَارَكْتَ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ». فَالصَّلَاةُ كُلُّهَا اسْتِغْفَارٌ مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى آخِرِهَا.

أَلَا وَإِنَّ لِلِاسْتِغْفَارِ شُرُوطًا وَلَهُ مَوَانِعَ؛ فَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ شُرُوطِهِ الْإِخْلَاصَ لِلَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ- فَإِنَّهُ عِبَادَةٌ، وَمَنْ رَاءَى رَاءَى اللَّهُ بِهِ، وَمَنْ أَشْرَكَ مَعَ اللَّهِ غَيْرَهُ تَرَكَهُ وَشِرْكَهُ. وَهَكَذَا الْمُتَابَعَةُ لِلنَّبِيِّ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- فَإِنَّهُ الْقَائِلُ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»، فَلَا بُدَّ مِنَ الْإِخْلَاصِ لِلَّهِ وَالْمُتَابَعَةِ لِرَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-. وَلَا بُدَّ مِنْ حُضُورِ الْقَلْبِ؛ فَإِنَّ حَرَكَةَ اللِّسَانِ بِالِاسْتِغْفَارِ بِدُونِ حُضُورِ الْقَلْبِ لَا تُعَدُّ تَوْبَةً نَصُوحًا، بَلْ يُقَالُ عَنْهَا تَوْبَةُ الْكَذَّابِينَ، حَتَّى قَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ: إِنَّ مِنِ اسْتِغْفَارِ بَعْضِ النَّاسِ مَا يَحْتَاجُ إِلَى اسْتِغْفَارٍ، وَنَظَمَهُ مَنْ قَالَ: "أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ مِنْ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ"، إِذَا كَانَ بِاللِّسَانِ وَهُوَ مُقِيمٌ عَلَى الْمَعْصِيَةِ.

{وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ} هَكَذَا قَالَ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ. وَلِهَذَا قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ وَغَيْرُهُ: إِنَّ الِاسْتِغْفَارَ بِاللِّسَانِ مَعَ الْإِقَامَةِ عَلَى الذُّنُوبِ وَالْمَعَاصِي أَشْبَهُ بِاللَّعِبِ مِنْهُ إِلَى الِاسْتِغْفَارِ، فَلَا تَوْبَةَ مَعَ الْإِصْرَارِ عَلَى الذَّنْبِ، نَعُوذُ بِاللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ- مِنْ ذَلِكَ.

وَهَكَذَا لَا بُدَّ مِنْ رَدِّ الْحُقُوقِ إِلَى أَهْلِهَا؛ فَمَنْ غَصَبَ أَرْضًا أَوْ أَكَلَ مَالًا حَرَامًا وَأَقَامَ عَلَى ذَلِكَ وَيَقُولُ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، مَاذَا تُغْنِي عَنْهُ تِلْكَ الْكَلِمَةُ وَهُوَ يَغْصِبُ أَرْضَ الْيَتِيمِ، وَهُوَ يَأْكُلُ حَقَّ الْمَرْأَةِ الضَّعِيفَةِ؟ فَمِنَ النَّاسِ مَنْ لَا يُعْطِي النِّسَاءَ مَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُنَّ فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ}، وَقَالَ: {وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ}. بَعْضُ النَّاسِ يُعْطِي الْمَرْأَةَ كَالْمُحْسِنِ إِلَيْهَا وَالصَّدَقَةِ عَلَيْهَا مِنْ مَالِهَا وَمِنْ إِرْثِهَا نَزْرًا يَسِيرًا وَيَأْكُلُ الْمَالَ الْحَرَامَ، أَوْ يَغْصِبُ الْمَالَ الْحَرَامَ الْخَاصَّ أَوِ الْعَامَّ وَيَقُولُ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ؛ لَا يُغْنِي عَنْهُ ذَلِكَ، لَا بُدَّ مِنَ التَّحَلُّلِ مِنْ حُقُوقِ النَّاسِ وَمِنَ الْأَمْوَالِ الْمُحَرَّمَةِ حَتَّى تَصِحَّ التَّوْبَةُ إِلَى اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ- مِنْ ذَلِكَ بِعَيْنِهِ.

نَسْأَلُ اللَّهَ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ وَجُودِهِ وَإِحْسَانِهِ أَنْ يَعْفُوَ عَنَّا وَعَنْكُمْ وَعَنْ جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ. اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ. اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا كُلَّهَا، دِقَّهَا وَجِلَّهَا، أَوَّلَهَا وَآخِرَهَا، سِرَّهَا وَعَلَانِيَتَهَا، يَا رَحْمَنُ يَا رَحِيمُ. اللَّهُمَّ أَصْلِحْ أَحْوَالَ الْمُسْلِمِينَ عَامَّةً، اللَّهُمَّ أَصْلِحْ أَحْوَالَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ فِي هَذَا الْبَلَدِ خَاصَّةً. اللَّهُمَّ مَنْ أَرَادَنَا وَبِلَادَنَا وَأَمْنَنَا وَدَعْوَتَنَا وَدِينَنَا، مَنْ أَرَادَنَا بِسُوءٍ فَاجْعَلِ السُّوءَ يُحِيطُ بِهِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، يَا قَوِيُّ يَا مَتِينُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ، وَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.